محمد جمال الدين القاسمي
440
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 96 ] فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) قوله تعالى : فالِقُ الْإِصْباحِ خبر آخر ل ( إنّ ) ، أو لمبتدأ محذوف . و ( الإصباح ) مصدر سمي به الصبح . قال المرؤ القيس : ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح فيك بأمثل أي : شاقّه عن ظلمة الليل وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً أي : صيّر الظلام يسكن إليه ، ويطمئن به ، استرواحا من تعب النهار . أو يسكن فيه الخلق ، أي : يقرّوا ويهدئوا ( من السكون ) - وهو الأظهر لقوله لِتَسْكُنُوا فِيهِ * - وقرئ ( وجاعل الليل ) . وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً أي : على أدوار مختلفة ، لتحسب بهما الأوقات التي نيط بها العبادات والمعاملات . كما ذكره في سورة يونس في قوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ يونس : 5 ] . ذلِكَ أي التسيير بالحساب المعلوم تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ أي : الغالب على أمره ، الْعَلِيمِ بتدبيرهما ، ومراعاة الحكمة في شأنهما . تنبيهات : الأول - قال الرازيّ : قوله تعالى : فالِقُ الْإِصْباحِ . . الآية ، نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته . فالنوع المتقدم كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان . والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية . وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر ، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعا من الأحوال الأرضية . ثم قرر الحجة من وجوه عديدة ، وأجاد رحمه اللّه . الثاني - قرئ الْإِصْباحِ بفتح الهمزة ، على أنه جمع صبح ، كقفل وأقفال . الثالث - في ( البحر الكبير ) : أن السنة الشرعية قمرية لا شمسية ، والشمسية مما حدث في دواوين الخراج ، وإنما أضيف الحساب في الآية إليهما ، لأن بطلوع الشمس ومغيبها يعرف عدد الأيام التي تتركب منها الشهور والسنون ، فمن هنا دخلت - انتهى .